علماني في خدمة الله
مفارقة المشاريع الدينية الثلاثة وسؤال الهوية الإسلامية في سوريا
نايف شعبان
مشروع نماذج التراث العربي التطبيقية
منتدى الاستقلال للدراسات السياسية والاستراتيجية
30 / آذار - 2026
لنبدأ بصورة ذهنية واحدة
رجل دين إيراني يعلن أن إيران الإسلامية ستظل حارسة المستضعفين في المشرق حتى قيام الساعة , في واشنطن , يقف قس إنجيلي أمام الكونغرس ويطالب بدعم إسرائيل لأن التوراة أعطتها أرض الميعاد , وفي تل أبيب , يصادق الكنيست على قانون يُعرّف إسرائيل دولة يهودية قومية بامتياز .
هذه الصور الثلاث تحدث في الوقت الذي يطالَب فيه المسلم السوري بأن يُخفي هويته الإسلامية , وأن يعرّف دولته "مدنية" لا غير , وأن يتعامل مع تعزيز انتمائه الحضاري باعتباره تهديدا للتعددية .
ثلاثة مشاريع دينية تعصف بالمنطقة والمطلوب من صاحب الدار أن يكون العلماني الوحيد في الغرفة .
هذه المفارقة ليست مصادفة , وهذه الورقة لن تتجاهلها بعد اليوم .
ثلاثة مشاريع دينية — بالاسم والتفصيل
لا يمكن فهم أزمة الهوية السورية دون فهم السياق الإقليمي الذي أنتج و عزّز هذه الأزمة , والسياق لا يحتمل المراوغة , المنطقة تشتعل بثلاثة مشاريع دينية سياسية صريحة , كل منها يعلن نفسه بلا حياء , وكل منها ينظر إلى سوريا ساحة لا شعبا .
المشروع الأول - الإيراني : ولاية الفقيه مشروعا تصديريا .
ولاية الفقيه ليست مجرد نظام حكم داخلي , بل هي نظرية في السياسة الدولية تقوم على أن المرجع الديني الأعلى في إيران يمتلك سلطة روحية وسياسية تتجاوز حدود الدولة الإيرانية , هذا المشروع بنى شبكة إقليمية من الوكالة والتبعية تمتد من حزب الله في لبنان إلى الحشد الشعبي في العراق مرورا بما كان يبنى في سوريا , وصولا إلى الحوثيين في اليمن .
الإطار الديني ليس ديكورا على المشروع السياسي , بل هو الأساس. وإيران التي تطالب بأن يعامل إسلامها السياسي باعتباره حقا سياديا مشروعا , نجدها تعترض على أي إسلام سياسي آخر لا يسير في فلكها .
الإفصاح الكامل لهذا المشروع إذا , أن إيران لا تريد دولا إسلامية في جوارها , بل تريد ولاءات إسلامية خاضعة لها , و بالتالي فإن سوريا التي تعزّز هويتها الإسلامية المستقلة عن طهران هي تهديد للمشروع الإيراني لا امتداد له .
المشروع الثاني - الصهيوني : التوراة دستورا جيوسياسيا
إسرائيل دولة تُعرّف نفسها دستوريا بالهوية الدينية القومية - "الدولة القومية للشعب اليهودي" بنص قانون صادر عام 2018 , هذا ليس رأيا , بل نص قانوني معتمد , الاستيطان في الضفة الغربية تُسوّغه مرجعيات توراتية علنا , والتفويض الديني لسياسة الأرض معترَف به في الخطاب السياسي الإسرائيلي الرئيسي دون اعتذار .
والأهم في السياق السوري , إسرائيل تحتل الجولان السوري منذ 1967 وضمّته رسميا عام 1981 في خطوة لا تعترف بها شرعية دولية , هذا الاحتلال لم يُنتَج بمبررات أمنية فقط , بل بمبررات تاريخية دينية أيضا , والدولة التي تطالب سوريا بعلمانية هويتها تقوم بنفسها على مشروع ديني-قومي لا يخفي نفسه .
المشروع الثالث - الإنجيلي الأمريكي : اللاهوت السياسي في قلب الإمبراطورية
الإنجيلية السياسية الأمريكية ليست ظاهرة هامشية , بل هي قوة تصويتية تُشكّل السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة منذ عقود , منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" التي يضم عضويتها أكثر من عشرة ملايين أمريكي تعمل علنا لتشكيل المواقف الأمريكية على أساس تفسير لاهوتي لسفر الرؤيا , و هو نص ديني يرى في دعم إسرائيل وإشعال الصراع في الشرق الأوسط تسريعا للسيناريو الإلهي النهائي .
هذا المشروع يقدم نفسه حاميا لمسيحيي الشرق , والحقيقة التي تُقلق قبل أي شيء آخر أن الحماية التي يقدمها مشروطة بأجندته اللاهوتية الخاصة , أجندة لا تريد لمسيحيي الشرق أن يزدهروا في أوطانهم , بل تريد توظيف معاناتهم لتبرير خطابها ( الأبوكاليبتي ) أمام الناخب الأمريكي .
الخلاصة التي لا تحتمل الالتفاف : ثلاثة مشاريع دينية تتنافس على المنطقة، كل منها يعلن هويته الدينية صراحة , وكل منها يطلب من المسلم السوري أن يكون هو الطرف الوحيد الذي يتخلى عن هويته الحضارية .
العلمانية الانتقائية - حين يُصبح المبدأ أداة
العلمانية مبدأ تفرضه اللبرالية الغربية , و المفترض أن يطبق بالتساوي , أي حين تُفصل مؤسسات الدولة عن التوجيه الديني المباشر لكل الأديان دون استثناء , هذا هو التعريف الإجرائي الذي يقوم عليه الفكر الليبرالي الغربي في أصوله .
لكن ما يجري في النقاش السوري , وفي الضغط الخارجي على دمشق , هو شيء مختلف جوهريا , ما يجري هو مطالبة الأغلبية المسلمة بأن تُخفي هويتها الإسلامية في الفضاء العام , في الوقت الذي يُعفى فيه من هذه المطالبة كل طرف آخر , الأقلية التي ترتبط بمشروع ديني خارجي لا تُسأل عن علمانيتها , الدولة التي تحتل أراضي سورية بمبرر ديني لا تُناقَش في علمانيتها , والمشروع الذي يُشكّل السياسة الأمريكية بأدوات لاهوتية لا يُعترَض على دينيته .
المسيري - الذي بنى أدق نقد عربي للعلمانية الغربية - سمّى هذه الظاهرة بدقة : العلمانية الشاملة التي تُقصي المرجعية الدينية من الوجود العام كليا ليست حيادية , بل هي خيار حضاري يحمل قيمه الإلغائية الخاصة ويُفرَض على الآخر كأنه قانون طبيعي , وحين تُطبَّق على طرف دون آخر تتحول من مبدأ إلى أداة .
وائل حلاق في "الدولة المستحيلة" وطلال أسد في "تشكّلات العلماني" يوثّقان هذه الظاهرة من داخل الأدبيات الغربية النقدية ذاتها : العلمانية في التطبيق التاريخي لم تكن حيادية أبدا , بل حملت نموذجا محددا للإنسان والمجتمع والدولة , ونشرت هذا النموذج في الجنوب العالمي بأدوات الاستعمار وما بعده , المطالبة بعلمنة المسلم السوري دون أي مطالبة موازية بعلمنة المشاريع الدينية الثلاثة , هي استمرار لهذا التطبيق الانتقائي .
حق الهوية - من موقع القوة لا الاعتذار
نقول هذا بوضوح لا يحتمل التأويل : الأغلبية المسلمة في سوريا لا تحتاج إذنا لتعزيز هويتها الإسلامية في دولتها , هذا ليس ادعاءً ديماغوجيا , بل موقف تُسنده الفلسفة السياسية الغربية ذاتها قبل أي مرجعية إسلامية .
شارل تايلور - المرجع الأكثر توظيفا في الغرب للدفاع عن حقوق الأقليات - يُقرّ صراحة بحق المجتمع السياسي في التشكل الذاتي وفق هويته الجماعية , والديمقراطية في أصولها الإجرائية تقوم على إرادة الأغلبية . المطالبة بأن تتخلى الأغلبية عن هويتها الحضارية إرضاء لأقلية - مهما كانت مظالم هذه الأقلية مشروعة - هي نقيض الديمقراطية لا تعبيرا عنها .
لكن الحق في تعزيز الهوية الإسلامية لا يستقيم دون التمييز بين نوعين من هذا التعزيز , وهذا التمييز ليس تنازلا بل هو في صميم الرؤية الحضارية الإسلامية ذاتها , التعزيز الذي يصدر من موقع الثقة والسعة , أي الهوية الإسلامية التي تقول نحن قادرون على بناء دولة تُنصف الجميع لأن موروثنا الحضاري يحتمل ذلك ويستدعيه , هو تعزيز يُرسخ الدولة ويُوسع قاعدتها , أما التعزيز الذي يصدر من موقع الخوف والرد الانفعالي على الأقليات - أي الهوية التي تحتاج إلى خصم داخلي لتتماسك - فهو يُفرغ الدولة ويدخلها في فخ نصبه لها الخارج .
الفرق بين الاثنين ليس أخلاقيا , بل استراتيجي , الأول يبني و الثاني يستنزف .
كلمة للعلماني السوري - بلا استجداء
نخاطبك من موقع الاحترام لا الاستئذان .
علمانيتك التي تؤمن بها تستحق أن تكون متسقة , فإن كنت ترفض توظيف الدين في السياسة فارفضه في المشاريع الثلاثة قبل أن ترفضه في دمشق , إن كنت تطالب بفصل الدين عن قرارات الدولة فطالب بذلك في واشنطن التي تشكل سياستها الشرق أوسطية بأدوات لاهوتية , وفي تل أبيب التي تبني جدار الفصل بمبررات توراتية , وفي طهران التي تُصدّر ولاية الفقيه عبر الحدود , علمانية انتقائية تستهدف طرفا واحدا ليست علمانية , بل هي أيديولوجيا متم إلباسها قناع المبادئ .
وإن كنت قلقا - وهذا القلق مشروع - من أن تعزيز الهوية الإسلامية قد ينتج دولة تُهمّش المختلف , فالجواب ليس في مطالبة الأغلبية بالتخلي عن هويتها , الجواب في المطالبة بمؤسسات تصون الحقوق المدنية للجميع بصرف النظر عن الهوية , هذا ممكن , وقد أثبتت التجربة التاريخية في أكثر من سياق أنه ممكن حين تصدر الإرادة من الداخل لا حين تُفرض من الخارج .
لكن ما ليس مقبولا هو أن تُحول قلقك المشروع إلى تحالف موضوعي مع المشاريع الدينية الثلاثة التي تعصف بالمنطقة , حين يتوافق خطابك مع خطاب من يريد سوريا مفككة - حتى لو لم تقصد ذلك - فالنتيجة واحدة بصرف النظر عن النية .
كلمة للأقلية السورية - من موقع الشراكة
نخاطبك أيضا من موقع الاحترام , ومن موقع من يرى فيك مكوّنا أصيلا لا يحتاج أن يُثبت أصالته لأحد .
حقوقك المدنية الكاملة في هذا البلد ليست موضع نقاش , لكن ثمة سؤال لا يمكن تأجيله : هل المشاريع الثلاثة التي تستقوي ببعضها تريد لك أن تزدهر في وطنك ؟ أم أنها تريدك شاهدا على خطر يبرر وجودها في المنطقة؟
المشروع الإنجيلي الأمريكي يحتاج مسيحيا شرقيا مضطهدا لا مسيحيا شرقيا مواطنا كامل الحقوق , المضطهَد يُسوّغ تدخله ويُقنع ناخبه , المواطن الكامل لا يحتاجه , وإسرائيل تحتاج أقليات سورية تُشكل ضغطا على دمشق لا أقليات مندمجة في مشروع وطني يعزز سيادة الدولة السورية , لأن هذه السيادة هي التي ستطرح ملف الجولان من جديد .
المصلحة الحقيقية للأقلية السورية - المسيحية والدرزية والإسماعيلية وغيرها - هي في دولة مركزية قوية تصون الحقوق بقانون موحّد لا في رعاية خارجية مؤقتة تزول بتغير الموازين , الشراكة الحقيقية مع الأغلبية ليست تنازلا عن الهوية , بل هي الضمانة الوحيدة التي لا تنتهي بانتهاء أجندة راعٍ لا يُقيم في هذه الأرض ولا يدفع ثمن قراراته فيها .
لحظة لا تحتمل الخطأ
نقول هذا بلا مواربة : المنطقة على شفا تحوّل خطير , الصراع الذي بدأ في فلسطين ولبنان ثم امتد إلى إيران يعيد رسم خارطة القوة الإقليمية برمّتها , سوريا تقع في قلب إعادة الرسم هذا , ليس هامشا بل مركزا جغرافيا واستراتيجيا لا يُستعاض عنه .
في هذه اللحظة بالذات , كل خطأ في التقدير له ثمن مضاعف , الأغلبية التي تستثمر الهوية الدينية ضد أقلياتها الداخلية تفتح الباب للتدخل الخارجي وتُدخل سوريا في الصراع الديني الإقليمي الذي دفع ثمنه العراق ولبنان واليمن كل بطريقته , والأقلية التي تستقوي بطرف خارجي في هذه اللحظة تقامر برأس المال الاجتماعي الذي بنته على مدى أجيال , وتُحوّل نفسها من شريك في مشروع وطني إلى رهينة في حسابات لا تملك التأثير فيها .
والعلماني الذي يجعل من معارضة الهوية الإسلامية للأغلبية معركته الأساسية , في وقت تشتعل فيه المنطقة بثلاثة مشاريع دينية لا يُعلن معارضتها بالقدر ذاته , يخدم – بقصد أو بدون قصد - أجندات لا تتقاطع مع ما يؤمن به .
هذه ليست تهديدات , هذه قراءة في المآلات , والفرق بين التهديد والقراءة أن الأول يأتي من عدو , والثاني يأتي من شريك يرى ما تراه ويقول ما يجب قوله .
في مكان ما في الشرق الأوسط , حاخام يُعلن أن الله أعطاه تفويضا لتشكيل السياسة , في مكان آخر , قسّ يُدعى للشهادة أمام لجنة في الكونغرس ليقول إن الكتاب المقدس يحدد حدود إسرائيل , وفي مكان ثالث , مرشد يعلن أن ولايته تمتد إلى ما وراء حدود دولته .
وفي دمشق , يُطالَب المسلم السوري بأن يكون العلماني الوحيد في هذا المشهد .
هذه المطالبة ليست مبدأً , بل هي موقف , والمواقف تُقرأ في ضوء من يطلبها ولمصلحة من .
سوريا التي تحافظ على هويتها الإسلامية من موقع الثقة والسعة , التي تصون حقوق مكوناتها جميعا بقانون موحّد لا بمنّة , والتي تقول للمشاريع الدينية الثلاثة في آنٍ معا : نحن لسنا ساحتكم , هذه " السوريا " هي الرد الوحيد الذي يُحرج المفارقة ويكسرها , ليس لأنها مثالية , بل لأنها الخيار الوحيد الذي يستطيع السوريون جميعا أن يعيشوا فيه .


